نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
305
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
الباب الثاني : في كتابة العلم ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : كره بعض الناس كتابة العلم وأباح ذلك عامة أهل العلم ، فأما حجة من كره ذلك فما روى الحسن البصري « أن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قال : يا رسول اللّه إن ناسا من اليهود والنصارى يحدثون بأحاديث أفلا نكتب بعضها ؟ فنظر إليه نظرة عرف بها الغضب في وجهه قال : أمتهوّكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ، لقد جئتكم ببيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي » فقيل للحسن ما المتهوّكون ؟ قال المتحيرون . وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري « أنه استأذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في كتابة العلم الحسن فلم يأذن له » وعن ابن مسلم قال : كان ابن عباس ينهى عن الكتابة ويقول إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة . وروى ابن أبي داود عن أبيه قال : جاء أصحاب عبد اللّه بن مسعود إلى عبد اللّه فقالوا إنا قد كتبنا عنك علما أفنعرضه عليك فتبينه لنا ؟ قال نعم ، فأتوه بذلك فأخذ الكتاب فغسله بالماء ثم رده عليهم . قال الفقيه : وذلك أنهم إذا كتبوا الكتاب اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ فيعرض على الكتابة عارض فيفوت علمهم ، ولأن الكتاب مما يزاد فيه وينقص ، ولأن الكتاب يمكن أن يزاد فيه ويغير والذي حفظ لا يمكن التغيير فيه ، ولأن الحافظ يتكلم بالعلم والذي أخبر عن الكتاب أخبر بالظن من غير حفظ ، وأما حجة من قال بأنه يجوز فما روي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : ما من أحد من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر حديثا مني إلا عبد اللّه بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب أنا ، وعن ابن جريج بن معرور أنه قال : قال عبد اللّه بن عمر « يا رسول اللّه إنا لنسمع منك الحديث أفنكتبه عنك ؟ قال نعم قلت في الرضا والسخط ؟ قال نعم ، فإني لا أقول فيهما إلا حقا » وقال معاوية بن قرة : من لم يكتب علما فلا يعد علمه علما . وقال اللّه تعالى خبرا عن موسى عليه الصلاة والسّلام حين سألوه عن القرون الأولى قال موسى عليه السّلام عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى . وعن ربيع بن أبي أنيس عن جديه زيد وزياد أنهما قدما على سليمان بن عبد الملك ليلا فلم يزل يحدثهما ويكتبان حتى أصبحا . وعن الحسن بن عليّ رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : لا يعجزن أحدكم أن يكون عنده كتاب من هذا العلم ، ولأن فيه بلوى فلو لم يكتب لذهب عنه العلم ولو كتب لرجع إليه فيما ينسى أو يشكل عليه مسرورا . وهذا كما حكي أن أبا يوسف عاب محمدا في كتابة العلم ، فقال محمد : إني خفت ذهاب العلم لأن النساء لا يلدن مثل أبي يوسف ولأن الأمة قد توارثت كتابة العلم وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » وما رآه المسلمون شينا فهو عند اللّه شين » وقال عليه الصلاة والسّلام « لا تجتمع أمتي على الضلالة » ولأنهم لما توارثوا ذلك صار ذلك سبيل المؤمنين حقا بدليل الخبر ، وقال عليه الصلاة